ابن رشد
169
تهافت التهافت
وهو الذي ينبغي أن يفهم هاهنا من اسم العلة . وقوله : إن هذا ليس يصدق في الصفات التي على طريق الإيجاب فضلا عن التي تكون على طريق السلب ، ومعاندته ذلك بالمثال الذي أتى به من السواد واللونية ، وذلك أن معنى قوله هو أن قولنا في السواد أنه لون لا يقتسم الصدق والكذب عليه قول القائل : إما أن يكون لونا لذاته أو لعلة ، بل كلا القولين كاذبان ، وذلك أنه إن كان لونا لذاته لزم ألا تكون الحمرة لونا كما أنه إن كان عمرو إنسانا لذاته لزم ألا يكون خالد إنسانا ، وإن كان لونا لعلة لزم أن تكون تلك الصفة زائدة على الذات ، وكل ما هو زائد على الذات أمكن أن يتصور بنفسه دون الزائد ، فيلزم هذا الوضع أن يتصور السواد من غير اللونية ، وذلك مستحيل ، وهو كلام مغلط سفسطاني ، للاشتراك الذي في اسم العلة ، وفي قولنا لذاته . وذلك أنه إذا فهم من الذات مقابل ما بالعرض كان صادقا قولنا : إن اللون موجود للسواد بذاته ، ولم يمتنع أن يكون موجودا لغيره ، أي للحمرة ، وإذا فهم من قولنا أنه موجود للسواد لعلة ، أي لمعنى زائد على السواد ؛ أعني لعلة خارجة عن الشيء لم يلزم عنه أن يتصور السواد دون اللونية ، لأن الجنس معنى زائد على الفصل والنوع ، وليس يمكن أن يتصور النوع أو الفصل دون الجنس ، وإنما يمكن ذلك في الزائد الذي هو عرضي لا في الزائد الجوهري ، وعلى هذا يقتسم الصدق والكذب قولنا : إن اللون موجود للسواد بذاته أو لعلة ، أي أن اللون لا يخلو أن يكون موجودا للسواد بما هو نفس السواد ، أو بما هو معنى زائد على السواد . وهذا هو الذي أراد ابن سينا بقوله : إن واجب الوجود لا يخلو أن يكون واجب الوجود لمعنى يخصه في نفسه ، أو لمعنى زائد على نفسه لا يخصه ، فإن كان لمعنى يخصه لم يتصور هنالك موجودان اثنان كل واحد منهما واجب الوجود ، وإن كان لمعنى يعم كان كل واحد منهما مركبا من معنى يعم ومعنى يخص ، والمركب غير واجب الوجود من ذاته . وإذا كان هذا هكذا فقول : أبي حامد فما الذي يمنع أن يتصور موجودان اثنان كل واحد منهما واجب الوجود كلام مستحيل . فإن قيل : إنه قد قلت : إن هذا هو قريب من البرهان والظاهر منه البرهان . قلنا : إنما قلنا ذلك لأن قوة هذا البرهان هي قوة قول القائل إن المغايرة بين الاثنين المفروضين واجبي الوجود لا يخلو أن تكون مغايرة : إما بالشخص ،